تقارير

قصة الدواء : بحث عن العلاقة بين الندرة والاستراد والتصنيع المحلي

قالت وهي تغالب دموعها، لم تكن أسرتي تدرك أن تعثر حصولنا على جرعات الكيماوي بالمستشفى العام ؛ سيكون سببا في إنتشار السرطان في جسد شقيقتي هيفاء بهذه السرعة وأردفت: ” حزن دفين خيم عليها عندما علمت بنتائج التقرير الطبي وتبدلت الأحوال في بيتنا وزادت آلامها إلى أن فارقت الحياة ليعتصرنا بعدها الأسى لفقدها

هيفاء التي لم تتجاوز عامها الخامس والعشرين؛ واحدة من مئات الحالات لمرضى سودانيين لجاوء للعلاج بالمستشفيات العامة وزادت معاناتهم من جراء البحث عن الدواء المنقذ للحياة ، ضمان حصول المواطن على الدواء و بسعر ملائم خاصة للأمراض المزمنة مثل أمراض ارتفاع الضغط والسكري والفشل الكلوي والأمراض السرطانية  جزء لا يتجزأ من حق الحصول على صحة مستدامة، وهو حق من حقوق الإنسان . الدواء في السودان أصبح قضية إنسانية تتعلق بحفظ الحياة فقد تزايدت ندرته  وارتفعت الأسعار وتكاثفت الشكاوى

مثلما حدث لاسرة هيفاء من عدم الحصول على الدواء ، حدث للسيد أسامة الأمير  الذي لخص المشكلة في شح الدواء وتعثر الحصول على أدوية الأمراض المزمنة مضيفا أن الروشتة التي بحوزته لستة أنواع من الدواء تحصل على دواء واحد فقط واكد تفاوت الأسعار للأدوية بين عدد من الصيدليات بالإضافة إلى ارتفاع معظم أسعارها.

مثال اخر ،سامي محمد أحمد- ظل يبحث و يسعى للحصول على ادوية  لأبنته  ذات العشرة سنوات موضحا . قال بدات الجولة بصيدليات ” شارع المستشفى ” بالخرطوم مرورا بمدينة بحري وأم درمان لاعود بعدها  خاوي الوفاض دون دواء.

لكن هناك من يرى غير ذلك من المختصين: الادوية متوفرة. اذا اين المشكلة ولماذا لا يحصل عليها المواطنون؟

الدكتورة الاء عاطف صيدلانية – صيدلية المالديف بشمبات – تؤكد   أن الحديث عن  ندرة وشح الدواء  حديث يجانب الواقع “الدواء متوفر وبكثرة داخل السودان وإن ” احتكار الدواء” جاء نتيجة إيقاف الشركات المستوردة للدواء البيع بسبب ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازي بالإضافة إلى توقف المصانع الدوائية داخل السودان لارتفاع تكلفة الإنتاج وزيادة أسعار الدواء عقب قرار وزير الصحة والذي ألغى فيه التسعيرة التي أعلنتها شركات الأدوية .”

 وأشارت إلى فتح الشركات حاليا لبيع الدواء ولكن بأسعار مضاعفة يعجز المواطن من الشراء ، مؤكدة أن الندرة المفتعلة كانت في الادوية المنقذ للحياة والأمراض المزمنة، أدوية السكرى والأزمة والمضادات الحيوية وغيرها والتي يصعب الحصول عليها .وأشارت الاء إلى سيطرت أدوية الكورونا على السوق حاليا واصفة ذلك ب ” تجارة الأزمات” والمضاربات في “المعقمات” و “الكمامات” و “فيتامين سي” وكل ما يختص بالجائحة .

و يؤكد الدكتور محمد عبد اللطيف-  صيدلاني- ما ذهبت اليه الاء اذ يقول  إن جائحة كورونا أثرت على سوق الدواء للأوضاع التي يعيشها العالم حاليا مما انعكس على الأدوية وأدى إلى ارتفاع الأسعار .

لكنه يصر عكس الاء بوجود ندرة في أدوية المضادات الحيوية والسكري خاصة ” الأنسولين” و الدربات والمحاليل الوريدية وبعض أدوية ارتفاع الضغط وحقن ” هيبرين” للجلطات وارتفاع أسعارها بنسبة كبيرة  و ارتفاع اسعارها ، وفقا لدكتور محمد عبد اللطيف، جاء نتيجة لمضاعفة شركات الدواء للأسعارها عقب تراجع الدولة عن دعم الدواء .

الا ان مايشير اليه دكتور محمد قد يعكس جزءا من اسباب الازمة عنما قال  ان الدولة تراجعت عن دعم الدواء.

فالقطاع الصحي لم يحظ  بأولوية في بنود الصرف الحكومي للأنظمة المتعاقبة وتراجعت الصحة إلى أدنى سلم الأولويات، حيث بلغت نسبة مجموع النفقات الصحية من الناتج القومي الإجمالي للعام 2014 ، 8.4% و بلغ مجموع النفقات الصحية للفرد (بالدولار) للعام2014 ،   282 دولار و فقاً لآخر بيانات لمنظمة الصحة العالمية  وتراجع الصرف على القطاع الصحي في السودان خلال الخمس سنوات الأخيرة لتبلغ نسبتة 2% من الناتج القومي ليتراجع من 280 إلى 110 دولار للفرد سنويا بحسب ورقة عمل حول القطاع الصحي الخاص قدمها البروفسير رياض بيومي  بندوة مركز الدراسات السودانية.

واستورد السودان خلال العام 2019 أدوية بقيمة 367 مليون دولار، بزيادة بلغت نحو 47 مليون دولار مقارنة بعام 2018  اي بنسبة 15% و أقل من 20% مقارنة بالعام 2017 والذي بلغت قيمة الأدوية المستوردة فيه  91 مليون دولار و ذلك وفقا لبيانات الموجز الإحصائي للتجارة الخارجية لبنك السودان المركزي للعام 2019، اي بنك السودان.

و في بنك السودان تقرر ساسات و قرارات البنك المركزي لاستيراد الدواء، اذ خصص بنك السودان المركزي نحو 10% من عائد الصادرات من العملات الحرة لاستيراد الدواء في العام 2018، إلا أن  أزمة الدواء تفاقمت بالبلاد عندما أصدر المركزي قرارا بتخفيض سعر الجنيه أمام الدولار إلى 47.5 في أكتوبر من  العام 2018، وفرض السعر على مستوردي الدواء ، مما أدى إلى رفع سعر الدولار للاستيراد من 30 جنيها إلى 47.5 جنيه ، كل ذلك أدى إلى ارتفاع أسعار الدواء وشحه بالأسواق المحلية.

و قام بنك السودان المركزي  في يناير من العام 2020، بإلغاء النسبة البالغة 10% من حصائل الصادر المخصصة لإستيراد الدواء ، أعقبها صدور توجيه من السيد رئيس مجلس الوزراء لبنك السودان بإرجاع تخصيص نسبة من حصائل الصادر في 29 مارس ، إلا أن القرار لم ينزل لحيز التنفيذ  كمنشور من بنك السودان إلا في 22 أبريل وقبل أن تبدأ المصارف بالعمل به صدر قرار إلغائه مرة أخرى في مطلع مايو من ذات العم بقرار من مجلس الوزراء دون تحديد لأي بدائل أخرى لمواجهة المشكلة مما ينبئ بتحرير أسعار الدواء .

 و يمثل قطاع الإستيراد حوالي 60% من جملة الدواء المتداول في السودان و يباع وفق تسعيرة ملزمة يضعها المجلس القومي للأدوية والسموم الذي أقر بأن جملة استيراد الأدوية خلال 2020 تسعة مليون دولار فقط و هي تمثل حوالي 9% من الحوجة الحقيقية و قدرها حوالي 100 مليون دولار في نفس الفترة من الأعوام السابقة.

وفي بيان للجنة التسييرية لشعبة مستوردي الأدوية أكدت أن الفجوة الهائلة في الدواء يتكبدها المواطن في البحث عن أدوية قد يجدها آمنة و فعالة أو لا يجدها بسبب الأدوية المهربة التي لا يعرف مصدرها أو طرق تخزينها ، مما ترتب عليه فوضى في الأسعار وفقدان الثقة في الصيدلة و صيادلتها، وأصبحت الشركات على وشك الإفلاس وأشارت اللجنة إلى أن الاسوأ ينتظر في القادم إذا لم تحل المشكلة فورا ؛ لأن سلسلة التزويد الدوائية تأخذ فترة من 4 إلى 6 أشهر من تأكيد طلب الشراء للشركات الخارجية وحتى وصول الدواء لمخازن الشركات في السودان وهي فترة أطول من غيرها من السلع الأخرى بسبب طبيعة الأدوية وخصوصية صناعتها و تعدد مصادر مكوناتها، مع الأخذ في الاعتبار خصوصية هذه الفترة في ظل جائحة كورونا التي ضربت العالم و غيرت نظم و سلاسل إمداد الأدوية.

 و حتى مع انقشاع ازمة الكورونا فان  صناعة الدواء في السودان تواجه تحديات في الحصول على العملات الأجنبية لاستيراد مدخلات الإنتاج حيث طالب تجمع الصيادلة ، الحكومة الانتقالية بمبلغ 55 مليون دولار شهريا، لتوفير المواد الطبية المستوردة للسوق المحلية.

طالب صلاح جعفر ممثل تجمع الصيادلة في مؤتمر صحفي في مطلع يوليو الحالي نطالب “بتوفير 55 مليون دولار شهريا موزعة على القطاعين الخاص والعام.. 20 مليون دولار منه لصالح للإمدادات الطبية، و10 ملايين للتصنيع، و25 مليون دولار لقطاع الاستيراد” .

وأكد صلاح أن إمدادات الأدوية متوقفة حاليا، مضيفا “لا توجد سياسة بديلة لاستيراد الأدوية، وما تم استيراده في الفترة الماضية للقطاع الخاص يعادل 9 ملايين دولار فقط خلال 6 أشهر، وتمثل 4 % من الاحتياجات”.

وأوضح جعفر، أن ” المخزون الاستراتيجي في الدواء يواجه نقصانا كبيرا ” مبينا أن الوضع أصبح كارثيا بسبب الندرة الدوائية للأدوية المنقذة للحياة والحيوية والتي ستنعدم بعد أقل من شهرين، للدخول في  أزمة أكبر وأضاف ” أن أدوية الطوارئ ستواجه ذات المشكلة، كما  سنواجه مشكلة كبيرة في أدوية السرطان، وغسيل الكلى التي سيتسبب غيابها بفقدان الكثير من أرواح المرضى”.

لكن كثيرين يميلون الى الراي بان حل هذه الندرة الدوائية يكمن في توطين صناعة الدواء في السودان.  ويبلغ عدد المصانع العاملة في صناعة الأدوية حاليا 27 مصنعاً تنتج 232 صنفاً من الادوية بما في ذلك ادوية علاج ارتفاع ضغط الدم والسكري والملاريا ومخفضات الحرارة.

وعن الصناعة الدوائية الوطنية أكدت مجموعة صانعي الأدوية في تقرير صدر مؤخرا أن التصنيع المحلي يوفر نسبة 80% من القيمة المسجلة للاستيراد ، كما أن التصنيع المحلي يخفض فاتورة إستيراد الدواء بما يزيد عن مائتين  وخمسين مليون دولار (250 مليون دولار ) في العام.

و اتهم التقرير ما اسماه الحملات المناهضة لسياسات الاكتفاء الذاتي والنجاحات المتلاحقة لقطاع صناعات الدواء باحلال الواردات الذي أضر كثيرا بشركات الاستيراد والشركات الأجنبية وقاد بعض العاملين في قطاع استيراد الدواء للتشكيك في الكفاءة الإنتاجية  للصناعة الوطنية وجودة المنتجات الوطنية بما لا يراعي المصلحة القومية ولا مصلحة المرضى.

وأتهم التقرير بأن المحرك الأساسي لهذه الحملة حماية المصالح الشخصية ومصالح شركات الأدوية الأجنبية وأوضح التقرير أن الغرض الأساسي  هو الضغط على متخذي القرار للتراجع عن سياسة الاكتفاء الذاتي لصالح مستوردي الدواء   الا ان الجهة المدركة للجوانب الفنية مع تقديرها و احترامها لحقوق المستهلك  تظل هي الجمعية السودانية لحماية المستهلك و التي ظلت تتابع شكاوى المواطنين و قضاياهم في  قمتها قضية الدواء والتي أفردت لها مساحات واسعة للنقاش والتداول لمقاومة تحرير أسعار الدواء ، و هي تساؤلات اجاب عليها الدكتور ياسر ميرغني الأمين العام للجمعية السودانية لحماية المستهلك.

فقد أكد الدكتور ياسر أن قضية الدواء (خط أحمر) وسلعة ذات خصوصية ليس هناك خيارات بشأنها ، مطالباً التعجيل بتوفير النقد الأجنبي للصندوق القومي للإمدادات الطبية لعمل عطاء للأدوية الأساسية من القطاعين العام والخاص. وأرجع الأمين العام أزمة الدواء الحالية لتأخير تنفيذ البرنامج الاسعافي للفترة الانتقالية والذي أعد قبل أكثر من عام من سقوط النظام وعقد بشأنه عدد من المؤتمرات بلندن والقاهرة بالإضافة إلى مؤتمرين بجامعة الأحفاد ودار المهندس بالخرطوم.

 واتهم جهات لم يسمها باحتكار الدواء لشركات توزع وتخزن الادوية بمخازن لا تنطبق عليها المواصفات مملوكة معظمها لغير الصيادلة خارج القطاع مما أدى إلى فوضى وتفاوت في الأسعار  و اكد د ياسر انالادوية متوفرة الان بنسبة 70% من الصناعة الوطنية بعد تحديد الأسعار المجزية للإنتاج و قال انه منالضروري رورة توفير الدواء بنسبة 100% لتفادي الندرة في الدواء المنقذ للحياة.

لكن د ياسر اشار الى ومضه مضيئة داخل نفق الشح و الغلاء و المعاناة حين أشار إلى إجازة البرنامج الاسعافي للدواء وتسليم الوثائق كافة لرئيس الوزراء مبينا أن البرنامج تناول توفير التمويل من النقد الأجنبي للصندوق القومي للامدادات الطبية والاهتمام بتوفير الأدوية الأساسية وتوزيع (749) صنف من الأدوية مجاناً عبر الرعاية الصحية في (4292) مستشفى ومركز صحي وشفخانة حكومية في كل السودان.

ووصف الدكتور ياسر الصناعة الوطنية  للدواء بانها “صمام الأمان” مؤكدا توفيرها لأكثر من (315) صنف تصنع داخل  السودان ودعا لضرورة انضباط وانتظام قطاع الدواء

اضغط هنا للإنضمام لمجموعة ( سوان لايف ) على الواتسب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى