اعمدة

محمد عبد الماجد يكتب: البشير و (الحوت) وقصة الصراع بين رئيس الجمهورية وفنان الشباب الأول

(1)
] بعد رحيل الاعلامية عفاف الصادق زوجة الفنان أبو عركي البخيت، كنت مستضافاً في اليوم التالي مباشرة بعد رحيلها في برنامج صباحي في احدى القنوات السودانية، وكان البرنامج ذا طابع يقبل الوقوف عند الاعلامية الراحلة عفاف الصادق، فأشرت الى طاقم البرنامج وتحدثت معهم بأن نقف اولاً عند عفاف الصادق وان نترحم عليها، فرفضوا ذلك، وقالوا ان هذا الأمر يمكن ان يسبب لهم (مشكلة) مع ادارة القناة، وطلبوا مني تجاوز (الرحمة) لها، رحمة الله عليها. وأطراف هذا الحوار موجودون يمكن الرجوع اليهم ويمكن ذكرهم بالاسم اذا تم التشكيك في هذه الرواية.
]  اقول ذلك بعد الحملة الشرسة التى تعرض لها مدير فضائية الخرطوم  ياسر عوض عندما طلب عدم استضافة (الكيزان) في القناة ــ وهذا امر مشروع، فليس من المنطق أن تستضيف من يشوّه الثورة ولا يخدم خطها الوطني، كما أن احترام مشاعر المشاهد أمر يفترض أن تعمل من اجله الفضائيات السودانية، ولا يبعد من ذلك ما حدث للفريق الكباشي عضو مجلس السيادة عندما قام بزيارة الصحافي جمال عنقرة في وجود مجموعة من (الكيزان)، فأثار ذلك عواطف لجان المقاومة في المنطقة واستفز شعورهم.
]   ولا يغيب عن الناس ان قناة (سودانية 24) في ظل ادارة الطاهر التوم لها فصلت بعض الاسماء بسبب تعاطفهم مع الحراك الثوري، واغرب من ذلك ان المذيع حاتم التاج تم التحقيق معه وفصله من القناة بسبب ترحّمه على شهداء الثورة في برنامج (حال الرياضة) عندما كان برنامج (حال البلد) يغرد خارج السرب في القصر الجمهوري.
(2)
]   الناس تعرف الصراع الذي كان يدور بين النظام البائد وفنان الشباب الاول محمود عبد العزيز والذي كانت شهرته ونجوميته وإبداعه يمشي بين الناس في الطرقات.
]  المركبات العامة والخاصة كانت كأنها تعمل بـ (صوت) محمود عبد العزيز وأغنياته وليس بالبنزين او الجاز… ولا تدور (ماكينة عربة) في الخرطوم قبل ان يدور (شريط كاسيت) محمود عليها.
]   الاقاليم كانت (تتشابى) للخرطوم وتدعي حضارتها وثقافتها بالاستماع لمحمود عبد العزيز.
] وكانت المطاعم الشعبية ومحلات المرطبات والأكشاك تشترك في شيء واحد وهو تشغيل اشرطة الكاسيت التى يسجلها محمود عبد العزيز.
]   (سكت الرباب) و (سبب الريد) و (سيب عنادك) و (يا عمر) و (يا مدهشة) و ( يا مفرحة) و (نور العيون) كانت شكلاً من اشكال التحضّر الثقافي والرقّي العاطفي.
]  حفلات محمود الجماهيرية كانت تعلن عنها (البوسترات) والملصقات في مواقف المواصلات والكباري والشوارع حتى اني اراهن ان اعمدة الكهرباء في الاسواق والأحياء لم تكن  تخلُ من تلك (البوسترات).
] اغنيات محمود عبد العزيز كانت تكتب في (دفاتر) محاضرات طلاب الجامعات وفي (كراسات) طلاب المدارس بمختلف المراحل.
]   مع ذلك كان الاعلام الرسمي والإذاعة والتلفزيون تحارب محمود عبد العزيز الذي لم يظهر في التلفزيون إلّا بعد ان اصبح (نجماً) معروفاً وفناناً كبيراً له من (الالبومات) ما يحقق اعلى نسب التوزيع والانتشار متفوقاً به على كل الفنانين.
] النظام البائد لم يكتف من ذلك (الحجر) و (العزل) الذي كان يضربه على فنان الشباب الاول في الوسائط الاعلامية الرسمية، وإنما ذهب ابعد من ذلك عندما اصبحت ملاحقة محمود عبد العزيز الشغل الشاغل للسلطات الامنية والشرطية، وبينما كان نظام البشير يجلس صاغراً ومفاوضاً للحركات المسلحة في نيروبي وابوجا وقطر.. كان في الوقت نفسه يطارد محمود عبد العزيز ويمنعه من الغناء في الخرطوم.
] منعوه بقرار من المحكمة من الغناء في الخرطوم ولاحقوه في الولايات ونشروا صوره وهو يجلد في الفاشر من احد افراد الشرطة بعد صدور حكم عليه.
]  في ود مدني حتى قبيل رحيله بأشهر معدودة، ادخلوه (الحبس) وحملوه مسؤولية الشغب الذي حدث في حفله وغرموه قيمة كل (كرسي) تلف في الحفل.
]   الكل يعرف أن محمود عبد العزيز كان مطارداً من النظام البائد ــ هل سأل احدكم لماذا كان يحدث كل ذلك لفنان الشباب الاول محمود عبد العزيز؟
] محمود لم يكن حركة (متمردة) ولا حزباً (معارضاً).. محمود كان (فناناً) بمعنى الكلمة… والفن حينها كان (تهمة) و (جريمة).
(3)
]   لا اعرف ماذا اسميها؟ ــ هل يمكن ان نسميها (غيرة) فنية .. ولكن لا شيء يجمع بين رئيس الجمهورية وفنان الشباب الاول ــ لا تنافس بينهما ــ إلّا اذا كان (البشير) يحسد محمود عبد العزيز في (جماهيريته) ويفترض انه اولى بهذه (الجماهيرية) وتلك (النجومية) و (الشهرة) التى كان يتمتع بها (الحوت).
]   هناك صراع رئاسي كان يحركه البشير بنفسه لمحاربة محمود عبد العزيز، لذلك كان محمود عبد العزيز يلاحق بواسطة جهاز الامن والمخابرات، فقد كان الجهاز يفعل كل ما يهواه البشير ويرضي غروره.
]   تخيلوا ان رئيس جمهورية يدخل في منافسة مع فنان الشباب الاول وينزل لمطاردته وملاحقته عن طريق سلطاته الواسعة.
]   مدير قناة الشروق السابق المهندس محمد خير فتح الرحمن من اسباب غضب البشير عليه والإطاحة به التسجيلات والبرامج التى كانت تنتجها القناة وتقدمها عن الفنان محمود عبد العزيز.
]  هل تعلم عزيزي القارئ اننا كنا نملك (رئيس جمهورية)، يفعل ذلك ويمنع بث (اغنيات) الفنان محمود عبد العزيز على قناة الشروق ــ الامر وصل حد ان تختفي حلقات البرنامج الذي سجلته قناة الشروق مع الفنان محمود عبد العزيز وبث في احد مواسم شهر رمضان البرامجية.
]  كانت هناك توجيهات صريحة في السنوات الاخيرة تطلب من ادارة القناة عدم تخصيص برمجة او برنامج في ذكرى رحيل الحوت في 17 يناير.
]  كنا نملك (رئيس جمهورية) بهذه الصورة ــ رئيس جمهورية كأنه ينافس (الحوت) على لقب فنان الشباب الاول او كأن (الحوت) ينافسه على (رئاسة الجمهورية).
]   هناك امور كثيرة وملفات عديدة سوف نكشف عنها لاحقاً ان تيسّر لنا ذلك، لتعرفوا كيف كانت تدار البلاد.
]  محمود عبد العزيز احد الاسباب القوية التى ادت الى وفاته هو ذلك (القهر) و (الظلم) الذي تعرض له من نظام البشير.
]   البعض حاول ان يخفف (غضبة) البشير عليه فأتي بمحمود عبد العزيز بالبزة العسكرية ليشارك في احد خطابات البشير بفاصل غنائي.
]   وبعضهم حاول ان يكفر عن ويلات النظام البائد بتخصيص طائرة خاصة لتنقل جثمانه للخرطوم ــ حينما كان جمهور (الحوت) في حالة من الغضب والثورة بعد رحيل محمود عبد العزيز في الاردن وهم يعلمون ما وجده الفنان الراحل من عناء ومشقة وعذاب من نظام الانقاذ.
]   الحواتة وضعوا اللبنة الاولى للثورة، بوحدتهم وقوتهم وجماهيريتهم ووعيهم الكبير.
]   اعطونا أنموذجاً للشعب الذي نريد.
(4)
]  شهدت بنفسي مواقف خيرية وإنسانية عظيمة للفنان محمود عبد العزيز لم اجدها في شيوخ (النظام البائد) الذين كانوا يرفعون شعار (ما لدينا قد عملنا) ولا يعملون لآخرتهم مثقال ذرة من الخير.
]   في آخر شهور الرحيل محمود عبد العزيز وجدته في بيت احد اصدقائه. عندما خرج (الحوت) للشارع كانت هناك مجموعة كبيرة من الفقراء والمساكين بعد ان علموا بوجوده في الحي ينتظرونه امام المنزل لينفق عليهم ــ شهدت ذلك وهو يوزع (ربطة) قروش اخرجها من تحت المقعد الامامي لسيارته.
]   ومواقف اخرى كثيرة نشهدها لمحمود عبد العزيز الذي يمثل حالة نادرة وفريدة في الوسط الفني وفي السودان بشكل عام.
]   رحل محمود عبد العزيز بعد ان ترك بيننا رسالته التى نحتاج الآن لتطبيقها (ابقوا الصمود ما تبقوا زيف).
(5)
] بغم/
]   لا تجمعني علاقة بالفنان الراحل محمود عبد العزيز، ولا ادعي شرف (صداقة) جمعتني به او حتى (معرفة) شخصية عابرة ــ اكتب فقط من بين (مدرجات) جمهور محمود عبد العزيز، ونشهد للرجل أن إبداعه (الخيري) الذي كان يقوم به في (الخفاء) كان أعظم من إبداعه (الفني) الذي يبذله للناس في (العلن).

اضغط هنا للإنضمام لمجموعة ( سوان لايف ) على الواتسب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى