اعمدة

د. مزمل أبوالقاسم يكتب : قبل الطوفان

* من واجبات الصحافة أن تنشر الأمل، وتنشر التفاؤل، لتناهض به التشاؤم، وتحارب اليأس، وتبشر الناس بغدٍ أفضل، ومستقبلٍ أزهى.

* تلك المهمة تبدو بالغة العُسر حالياً، لأن كل شيء في بلادنا المنكوبة لا يسُر، فالمنغصات تتصدر المشهد، والمعاناة سيدة الزمان والمكان في كل ربوع الوطن الحزين، وأنباء الكوارث تترى كل حين.

* عناوين الأخبار التي تصدر عن السودان في الصحف ووكالات الأنباء والفضائيات العالمية تزخر بالمآسي، وتضج بصور الدمار الذي خلفته السيول والفيضانات، حيث أشارت أول إحصائية رسمية إلى وفاة ثمانية وثمانين شخصاً، وتدمير عشرين ألف منزل، وغرق عشرات الجزر، والحبل على الجرار، لأن فصل الخريف لم يبلغ ذروته عندنا بعد.

* الغلاء يسيطر على الأسواق، وانفلات أسعار السلع الاستهلاكية أضنى المقتدرين قبل المعسرين.

* نسبة التضخم تجاوزت (136‎%‎)، لتنبئ بمعدل انفجاري، وانهيار اقتصادي شامل.

* قيمة العملة الوطنية في الحضيض، وسعر الدولار تخطى حاجز المائتي جنيه، حيث لا كابح يوقف التدهور، ولا حاجز يقي الجنيه شرور المزيد من الانهيار.

* نُذر الحرب الأهلية تتجمع في فضاء الشرق، بفتنة قبلية، وحرب شوارع في مدينة بورتسودان، حيث يوجد ميناء السودان الرئيسي، ونافذته الوحيدة على البحر الأحمر، أما الأوضاع في كسلا فما زالت تنذر بالخطر، بعد أن تفشت في المدينة الوادعة مظاهر الحرق والسلب والنهب، وتحوَّل سوقها إلى كومة خراب.

* الموت المجاني أطل برأسه الأشعث القبيح في دارفور، منذراً بإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل وصول (اليوناميد)، والصراعات القبلية والجهوية متفشية في جنوب كردفان، برغم كوَّة الأمل التي انفتحت لنا في عروس الجنوب جوبا.

* صفوف الخبز تتطاول، وتلزم المواطنين بقيام الليل أمام المخابز، بحثاً عما يسد الجوع ويقيم الأود.

* شُح المواد البترولية بات ظاهرةً لا تلفت الأنظار، ولا تثير الاستغراب، حيث تخلو معظم محطات الخدمة من الوقود، وإذا توافر يتطلب الحصول عليه صبراً جميلاً، وانتظاراً طويلاً.. (يسل الروح).

* الدواء يمثل قصة وجع أخرى في بلاد الأربعين مليون منكود، بعد أن اختفت معظم أصنافه عن رفوف الصيدليات، وتضاعف ثمنه، وشحَّت الأدوية المنقذة للحياة، وبلغت أسعار العلاج في المستشفيات الخاصة أرقاماً فلكية، أما مستشفيات الدولة فحدِّث ولا حرج، والحال فيها يغني عن السؤال.

* تدهور مريع في الحالة الأمنية، حيث صار التعدي على الآمنين، والسطو على الممتلكات العامة والخاصة يحدث في قلب العاصمة، ناهيك عن الأطراف البعيدة، وقد نقلت الصحف الصادرة أمس نبأ فرار أحد سائقي سيارات نقل الأموال بنصف مليون دولار من أمام أحد البنوك.

* ارتفاع معدلات الجريمة مرتبط بتفشي الغلاء والفقر، وتمدد البطالة بين الشباب، وتدهور القدرة الشرائية للعملة الوطنية.

* على الصعيد السياسي تعيش بلادنا حالة تشظٍ غير مسبوقة، وتشاكس مُعلن بين القوى السياسية المهيمنة على السلطة، بعد أن فشلت في الاتفاق حتى على ما لا يحتمل الاختلاف، ناهيك عن تربص المعارضين بالحكام الجدد.

* المكوِّن العسكري عاجز عن فرض هيبة الدولة، وفاشل في حفظ الأمن، ومقصِّر في بسط الطمأنينة العامة، وردع من يتلاعبون بأمن البلاد، وينشرون خطاب الكراهية، والسلطة التنفيذية منكفئة على نفسها في عاصمة البلاد، ولا تعرف شيئاً عما يدور في الولايات.

* على مدى عامٍ كامل لم يخرج رئيس الوزراء من العاصمة إلى الولايات سوى أربع مرات فقط، بزيارات قصيرة لنيالا وكسلا وبورتسودان وكاودا، وعلى دربه يسير وزراؤه، المتحصنون بالخرطوم.

* هيبة السلطة تتراجع كل صباح، تبعاً لتعمد المكِّون المدني تحريض الشباب على القوات النظامية، والتعدي عليها، والتمادي في استفزازها وتخوينها والتشكيك في نوايا قادتها، مع أنها تمثل شريكاً أصيلاً في السلطة بموجب نصوص الوثيقة الدستورية.

* نخشى أن يأتي عليهم يوم يحتاجون فيه إلى حماية تلك القوات من غضبة الشعب الجائع المحبط فلا يجدونها.

* السند الإقليمي غائب، والدعم الدولي محتجب، بعد أن غلَّ أصدقاء السودان المزعومون أياديهم عن العون، وفاقمت أمريكا سوء أوضاعنا بإصرارها على عدم رفع العقوبات، ومطالبتها لحكومتنا العاجزة عن دفع مرتبات موظفيها بسداد (330) مليون دولار مقابل شطبنا من قائمة الإرهاب.

* ما سردناه يمثل تلخيصاً مبسطاً لأوضاع بلادنا، التي تمر بمنعطف بالغ الخطورة، يهدد أمنها ووحدتها وما تبقى من نسيجها السياسي والاجتماعي والاقتصادي الهش، لذلك نطالب القوى السياسية كلها (حكام ومعارضين) بأن يرتفعوا إلى مستوى المسئولية، ويستشعروا حرج الوضع ودقته، ويقدموا مصلحة الوطن على ما سواها.

* نطالبهم أن يتعقلوا ويتفقوا قبل أن تخرج الأمور عن نطاق السيطرة، وينزلق السودان إلى أتون التفكك بحربٍ أهلية لا تبقي ولا تذر.. وحينها لن يجدوا وطناً يتشاكسون على جسده المُسجى.

* ألا قد بلغت؟

اضغط هنا للإنضمام لمجموعة ( سوان لايف ) على الواتسب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى